ابن كثير

153

البداية والنهاية

واسخ بنفسك لله عز وجل ، وانزع قيمة الأشياء من قلبك يصفو لك بذلك سرك ويذكو به ذكرك . ثم أنشدني : حياتك أنفاس تعد فكلما * مضى نفس منها انتقصت به جزءا فتصبح في نقص وتمسي بمثله * وما لك معقول تحس به رزءا يميتك ما يحييك في كل ساعة * ويحدوك حاد ما يزيد بك الهزءا قال أبو محمد قلت لأحمد : هذه موعظة علي لك فعظني . فقال : يا أخي عليك بلزوم الطاعة وإياك أن تفارق باب القناعة ، وأصلح مثواك ، ولا تؤثر هواك ، ولا تبع آخرتك بدنياك ، واشتغل بما يعنيك بترك ما لا يعنيك . ثم أنشدني : ندمت على ما كان مني ندامة * ومن يتبع ما تشتهي النفس يندم فخافوا لكيما تأمنوا بعد موتكم * ستلقون ربا عادلا ليس يظلم فليس لمغرور بدنياه زاجر * سيندم إن زلت به النعل فاعلموا قال ابن زامين فقلت لأبي محمد : هذه موعظة أحمد لك فعظني أنت . فقال : اعلم رحمك الله أن الله عز وجل ينزل العبيد حيث نزلت قلوبهم بهمومها ، فانظر أن ينزل قلبك ، واعلم أن الله سبحانه يقرب من القلوب على حسب ما تقرب منه . وتقرب منه على حسب ما قرب إليها . فانظر من القريب من قلبك . وأنشدني : قلوب رجال في الحجاب نزول * وأرواحهم فيما هناك حلول تروح نعيم الانس في عز قربه * بأفراد توحيد الجليل تحول لهم بفناء القرب من محض بره * عوائد بذل خطبهن جليل قال الخطيب : فقلت لابن زامين : هذه موعظة الحميدي لك فعظني أنت . فقال : اتق الله وثق به ولا تتهمه فإن اختياره لك خير من اختيارك لنفسك وأنشدني : اتخذ الله صاحبا * ودع الناس جانبا جرب الناس كيف * شئت تجدهم عقاربا قال أبو الفرج غيث الصوري : فقلت للخطيب : هذه موعظة ابن زامين لك فعظني أنت . فقال : احذر نفسك التي هي أعدى أعدائك أن تتابعها على هواها ، فذاك أعضل دائك ، واستشرف الخوف من الله تعالى بخلافها ، وكرر على قلبك ذكر نعوتها وأوصافها ، فإنها الامارة بالسوء والفحشاء والموردة من أطاعها موارد العطب والبلاء ، واعمد في جميع أمورك إلى تحري الصدق ، ولا تتبع الهوى